فصل: سورة الفتح:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: معالم التنزيل المشهور بـ «تفسير البغوي»



.تفسير الآيات (26- 30):

{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نزلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (26) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (27) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (28) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (29) وَلَوْ نَشَاءُ لأرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (30)}
{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ} يعني المنافقين أو اليهود، {قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نزلَ اللَّهُ} وهم المشركون، {سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأمْرِ} في التعاون على عداوة محمد صلى الله عليه وسلم والقعود عن الجهاد، وكانوا يقولونه سرًا فأخبر الله تعالى عنهم، {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ} قرأ أهل الكوفة غير أبي بكر: بكسر الهمزة، على المصدر، والباقون بفتحها على جمع السر.
{فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ذَلِكَ} الضرب، {بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ} قال ابن عباس: بما كتموا من التوراة وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، {وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ} كرهوا ما فيه رضوان الله، وهو الطاعة والإيمان. {فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}.
{أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} يعني المنافقين، {أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ} لن يظهر أحقادهم على المؤمنين فيبديها حتى يعرفوا نفاقهم، واحدها: ضغن، قال ابن عباس: حسدهم.
{وَلَوْ نَشَاءُ لأرَيْنَاكَهُمْ} أي لأعلمناكهم وعرفناكهم، {فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ} بعلامتهم، قال الزجاج: المعنى: لو نشاء لجعلنا على المنافقين علامة تعرفهم بها.
قال أنس: ما خفي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية شيء من المنافقين، كان يعرفهم بسيماهم.
{وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} في معناه ومقصده.
واللحن: وجهان صواب وخطأ، فالفعل من الصواب: لَحِنَ يَلْحَنُ لَحْنًا فهو لَحِنٌ إذا فطن للشيء، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض».
والفعل من الخطأ لَحَنَ يَلْحَنُ لَحْنًا فهو لاحِنٌ. والأصل فيه: إزالة الكلام عن جهته.
والمعنى: إنك تعرفهم فيما يعرضون به من تهجين أمرك وأمر المسلمين والاستهزاء بهم، فكان بعد هذا لا يتكلم منافق عند النبي صلى الله عليه وسلم إلا عرفه بقوله، ويستدل بفحوى كلامه على فساد دخيلته. {وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ}.

.تفسير الآيات (31- 32):

{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (31) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (32)}
{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ} ولنعاملنكم معاملة المختبر بأن نأمركم بالجهاد والقتال، {حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ} أي: علم الوجود، يريد: حتى يتبين المجاهد والصابر على دينه من غيره، {وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} أي نظهرها ونكشفها بإباء من يأبى القتال، ولا يصبر على الجهاد.
وقرأ أبو بكر عن عاصم: {وليبلونكم حتى يعلم}، ويبلو بالياء فيهن، لقوله تعالى: {والله يعلم أعمالكم}، وقرأ الآخرون بالنون فيهن، لقوله تعالى: {ولو نشاء لأريناكهم}، وقرأ يعقوب: {ونبلوا} ساكنة الواو، ردًا على قوله: {ولنبلونكم} وقرأ الآخرون بالفتح ردا على قوله: {حتى نعلم}.
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا} إنما يضرون أنفسهم، {وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ} فلا يرون لها ثوابًا في الآخرة، قال ابن عباس رضي الله عنهما: هم المطعمون يوم بدر، نظيرها قوله عز وجل: {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله} [الأنفال- 36] الآية.

.تفسير الآيات (33- 36):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (33) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (34) فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (35) إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (36)}
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} قال عطاء: بالشك والنفاق، وقال الكلبي: بالرياء والسمعة. وقال الحسن: بالمعاصي والكبائر.
وقال أبو العالية: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون أنه لا يضر مع الإخلاص ذنب كما لا ينفع مع الشرك عمل، فنزلت هذه الآية فخافوا الكبائر بعده أن تحبط الأعمال.
وقال مقاتل: لا تمنوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتبطلوا أعمالكم، نزلت في بني أسد، وسنذكره في سورة الحجرات إن شاء الله تعالى.
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} قيل: هم أصحاب القليب. وحكمها عام.
{فَلا تَهِنُوا} لا تضعفوا {وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ} أي لا تدعوا إلى الصلح ابتداء، منع الله المسلمين أن يدعوا الكفار إلى الصلح، وأمرهم بحربهم حتى يسلموا، {وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ} الغالبون، قال الكلبي: آخر الأمر لكم وإن غلبوكم في بعض الأوقات، {وَاللَّهُ مَعَكُمْ} بالعون والنصرة، {وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} لن ينقصكم شيئًا من ثواب أعمالكم، يقال: وتره يتره وترًا وَتِرَةً: إذا نقص حقه، قال ابن عباس، وقتادة، ومقاتل، والضحاك: لن يظلمكم أعمالكم الصالحة بل يؤتيكم أجورها. ثم حض على طلب الآخرة فقال: {إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} باطل وغرور، {وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا} الفواحش، {يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ} جزاء أعمالكم في الآخرة، {وَلا يَسْأَلْكُمْ} ربكم، {أَمْوَالَكُمْ} لإيتاء الأجر بل يأمركم بالإيمان والطاعة ليثيبكم عليها الجنة، نظيره قوله: {ما أريد منهم من رزق} [الذاريات- 57]، وقيل: لا يسألكم محمد أموالكم، نظيره: {قل ما أسألكم عليه من أجر} [الفرقان- 57].
وقيل: معنى الآية: لا يسألكم الله ورسوله أموالكم كلها في الصدقات، إنما يسألانكم غيضًا من فيض، ربع العشر فطيبوا بها نفسًا. وإلى هذا القول ذهب ابن عيينة، يدل عليه سياق الآية:

.تفسير الآيات (37- 38):

{إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (37) هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38)}
{إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ} أي يجهدكم ويلحف عليكم بمسألة جميعها، يقال: أحفى فلان فلانا إذا جهده، وألحف عليه بالمسألة.
{تَبْخَلُوا} بها فلا تعطوها.
{وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ} بغضكم وعداوتكم، قال قتادة: علم الله أن في مسألة الأموال خروج الأضغان. {هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} يعني إخراج ما فرض الله عليكم، {فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ} بما فرض عليه من الزكاة، {وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ} عن صدقاتكم وطاعتكم، {وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ} إليه وإلى ما عنده من الخير. {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} بل يكونوا أمثل منكم وأطوع لله منكم.
قال الكلبي: هم كندة والنخع، وقال الحسن: هم العجم، وقال عكرمة: فارس والروم.
أخبرنا أبو بكر أحمد بن أبي نصر الكوفاني، أخبرنا أبو محمد عبدالرحمن بن عمر، حدثنا إسحاق النجيبي المصري المعروف بابن النحاس، أخبرنا أبو الطيب الحسن بن محمد الرياش، حدثنا يونس بن عبدالأعلى، حدثنا ابن وهب، حدثنا مسلم بن خالد، عن العلاء بن عبدالرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية: {وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم}، قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين إن تولينا استبدلوا بنا ثم لا يكونوا أمثالنا؟ فضرب على فخذ سلمان الفارسي ثم قال: «هذا وقومه، ولو كان الدين عند الثريا لتناوله رجال من الفرس».

.سورة الفتح:

مدنية.

.تفسير الآية رقم (1):

{إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1)}
بسم الله الرحمن الرحيم {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا}.
أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي، أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد السرخسي، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فسأله عمر عن شيء فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، فقال عمر: ثكلتك أمك يا عمر نزرتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، كل ذلك لا يجيبك، قال عمر: فحركت بعيري ثم تقدمت أمام الناس، وخشيت أن ينزل فيّ قرآن، فما لبثت أن سمعت صارخًا يصرخ بي، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه، فقال: «لقد أنزلت عليّ الليلة سورة لهي أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس، ثم قرأ: {إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر}».
أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو عمر بكر بن محمد المزني، حدثنا أبو بكر محمد بن عبدالله حفيد العباس بن حمزة، حدثنا الحسين بن الفضل البجلي، حدثنا عفان، حدثنا همام، حدثنا قتادة، حدثنا أنس قال: نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم: «إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا» إلى آخر الآية، مرجعه من الحديبية وأصحابه مخالطهم الحزن والكآبة، فقال: «نزلت عليّ آية هي أحب إلي من الدنيا جميعًا»، فلما تلاها نبي الله صلى الله عليه وسلم قال رجل من القوم: هنيئًا مريئًا لك قد بَيَّن الله لك ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله الآية التي بعدها: {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار}، حتى ختم الآية.
اختلفوا في هذا الفتح: روي عن أبي جعفر الرازي عن قتادة عن أنس: أنه فتح مكة، وقال مجاهد: فتح خيبر. والأكثرون على أنه صلح الحديبية.
ومعنى الفتح فتح المنغلق، والصلح مع المشركين بالحديبية كان متعذرًا حتى فتحه الله عز وجل. ورواه شعبة عن قتادة عن أنس: {إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا}، قال: الحديبية.
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبيدالله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحًا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان، يوم الحديبية كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم أربع عشرة مائة، والحديبية بئر، فنزحناها فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأتاها فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم تمضمض ودعا ثم صبه فيها فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا.
وقال الشعبي في قوله: {إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا}، قال: فتح الحديبية، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأُطْعِموا نخل خيبر، وبلغ الهدي محله، وظهرت الروم على فارس، ففرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس.
قال الزهري: لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية، وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم فتمكن الإسلام في قلوبهم، أسلم في ثلاث سنين خلق كثير، وكثر بهم سواد الإسلام.
قوله عز وجل: {إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا}، أي قضينا لك قضاء بَيِّنًا. وقال الضحاك: إنا فتحنالك فتحًا مبينًا بغير قتال، وكان الصلح من الفتح.

.تفسير الآية رقم (2):

{لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2)}
قيل: اللام في قوله: {لِيَغْفِرَ} لام كي، معناه: إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا لكي يجتمع لك مع المغفرة تمام النعمة في الفتح.
وقال الحسين بن الفضل: هو مردود إلى قوله: {واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} [محمد- 19] {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} و{ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات} الآية.
وقال محمد بن جرير: هو راجع إلى قوله: {إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا فسبح بحمد ربك واستغفره} [النصر:- 3] ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك في الجاهلية قبل الرسالة، وما تأخر إلى وقت نزول هذه السورة.
وقيل: {وَمَا تَأَخَّرَ} مما يكون، وهذا على طريقة من يجوز الصغائر على الأنبياء.
وقال سفيان الثوري: {مَا تَقَدَّمَ} مما عملت في الجاهلية، {وَمَا تَأَخَّرَ} كل شيء لم تعمله، ويذكر مثل ذلك على طريق التأكيد، كما يقال: أعطى من رآه ومن لم يره، وضرب من لقيه ومن لم يلقه.
وقال عطاء الخراساني: {مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ} يعني ذنب أبويك آدم وحواء ببركتك، {وَمَا تَأَخَّرَ} ذنوب أمتك بدعوتك.
{وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} بالنبوة والحكمة، {وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} أي يثبتك عليه، والمعنى ليجتمع لك مع الفتح تمام النعمة بالمغفرة والهداية إلى الصراط المستقيم وهو الإسلام. وقيل: ويهديك أي يهدي بك.

.تفسير الآيات (3- 4):

{وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (3) هُوَ الَّذِي أَنزلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (4)}
{وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا} غالبًا. وقيل: معزًا.
{هُوَ الَّذِي أَنزلَ السَّكِينَةَ} الطمأنينة والوقار، {فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ} لئلا تنزعج نفوسهم لما يرد عليهم. قال ابن عباس: كل سكينة في القرآن فهي طمأنينة إلا التي في سورة البقرة، {لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ}.
قال ابن عباس: بعث الله رسوله بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صدقوه زادهم الصلاة ثم الزكاة ثم الصيام ثم الحج ثم الجهاد، حتى أكمل لهم دينهم، فكلما أمروا بشيء فصدقوه ازدادوا تصديقًا إلى تصديقهم. وقال الضحاك: يقينًا مع يقينهم.
قال الكلبي: هذا في أمر الحديبية حين صدق الله رسوله الرؤيا بالحق.
{وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا}.